الشيخ الطوسي

93

التبيان في تفسير القرآن

من جهة الله دلتني على ذلك ( وأمرت ) مع ذلك ( أن اسلم لرب العالمين ) أي استسلم لامر رب العالمين الذي خلقكم وأوجدكم ويملك تدبير الخلائق أجمعين . ثم وصفه فقال ( وهو الذي خلقكم ) معاشر البشر ( من تراب ) ومعناه خلق أباكم آدم من تراب وأنتم نسله واليه ترجعون واليه تنتمون ( ثم من نطفة . . ) أي ثم أنشأ من ذلك الأصل الذي خلقه من تراب النطفة ثم قلبها إلى علقة وهي القطعة من الدم لأنها تعلق بما يمر به لظهور اثرها فيه وخلقكم منها ( ثم يخرجكم طفلا ) أي أطفالا واحدا واحدا ، فلهذا ذكره بالتوحيد ، كما قال " بالأخسرين اعمالا " ( 1 ) لان لكل واحد منهم اعمالا قد خسر بها " ثم لتبلغوا أشدكم " وهو حال استكمال القوة وهو جمع شدة وأشد كنعمة وانعم . واصل الشدة اللف الذي يصعب منه الانحلال ، ثم " لتكونوا شيوخا " بعد ذلك " ومنكم من يتوفى من قبل " ان يصير شيخا ومن قبل ان يبلغ أشده " ولتبلغوا اجلا مسمى " أي يبلغ كل واحد منكم ما سمى له من الأجل . وقال الحسن : هو النسل الذي يقوم عليه القيامة والأجل المسمى القيامة ( ولعلكم تعقلون ) أي خلقكم لهذه الاغراض التي ذكرها ولكي تفكروا في ذلك فتعقلوا ما أنعم الله عليكم من أنواع النعم واراده منكم من اخلاص العبادة . ثم قال ( هو الذي يحيى ويميت ) يعني من خلقكم على هذه الأوصاف التي ذكرها هو الذي يحييكم وهو الذي يميتكم فأولكم من تراب وآخركم إلى تراب تعودون ( فإذا قضى امرا ) أي أراد امرا من الأمور ( فإنما يقول له كن فيكون ) ومعناه انه يفعل ذلك من غير أن يتعذر عليه ولا يمتنع منه فهو بمنزلة ما يقال له كن فيكون ، لا انه خاطب المعدوم بالتكوين ، لان ذلك محال .

--> ( 1 ) سورة 18 الكهف 104